********
ملاحظة : احبتي ان الظواهر مترابطة مع بعضها كل تفضي الى اخرى سواء اكانت سياسية او اقتصادية او اجتماعية ، فهي تشكل حلقة متسلسلة .حاولوا ان تستوعبوا و تفهموا اسس هذا الترابط حتى يتوضح لنا الى اين نساق.. ...ثم بعدها نعرف كيف نواجه ونصلح .
اسال الله التوفيق.
********
مرت تقريبا اربعون سنة او اكثر على استقلال البلدان العربية ، الا ان الطبقة الحاكمة التي تتداول الحكم( او تسيطر ) لم تستطع ان تقدم للمواطن العربي الحياة الكريمة التي كان يسعى اليها ، وكما سبق الذكر في مقالنا السابق ان الانظمة العربية هي انظمة ديكتاتورية عازلة للشعب عن النشاط السياسي و ترى في قراراتها انها هي الاصح ، فانفردت انفرادا مطلقا بالسلطة تحت شعار الديموقراطية . ولكي يتم استقرارها في الحكم كان عليها ان تلجا الى عدة و سائل لتكبير الهوة بينها و بين الشعب ، استعملت القوة و تلاعبت بالراي العام و سلبت المواطن حرية التعبير ، فبالاضافة الى فشلها الذريع في تحقيق اي نمو ايجابي و تحسين المعيشة فرضت على المواطن العزلة التامة وجعلت كل القطاعات في خدمتها ، الاقتصادية منها والاجتماعية فاحكمت قبضتها . واهم عنصر سعت لضحضه هو الوعي ، فاصبح المواطن تسلب كل حقوقه دون اي ردة فعل منه ، فالسلطة تعتبر اي شخص يطالب بحقه متمردا و لا بد من معاقبته و اقصائه .فاجهضت كل محاولات السعي لاعلاء صوت المظلومين .و حدث تقوقع الطبقة المحكومة . فالمواطن العربي يجهل ما هي حقوقه و ما هي واجباته ،و غطسنا في مستنقع التيه الاجتماعي و فقدنا خاصية التمدن وانتشرت السلبية وعمت فوضى اجتماعية عارمة .
ان المحاور الاساسية التي اعتمدت عليها السلطة العربية لتقهر مواطنيها ،هي ان تجعل من كل القطاعات تابعة لها ، (اولا) وظفت المؤسسات الدينية لتمرير خطاباتها و صبغ صورتها بالقدسية ، فبات رجال الدين موالين لقرارات و تصرفات الحكام دون اي تذخل للتبيان او اعلاء قول الحق ، ملغية بذلك الدور الحقيق للمصلحين وكل مخالف لها ينفى او يجز به الى اماكن التعذيب او يقصى من الاحتكاك بالمجتمع ، و تاريخنا حافل بالصراع بين السلطة السياسية و المصلحين يمكن ان نذكر على سبيل المثال التعسف الذي لاقاه الشيخ على عبد الرازق (1888- 1966) صاحب كتاب ( الاسلام و نظام الحكم ) الذي تكلم فيه عن رؤاه لنظام الحكم من منظور اسلامي معارضا ما تتبعه المؤسسة السياسية في بلده و التي لم يرق لها ما طرحه في كتابه فما كان منها الا ان احرقت كل النسخ و سحبت منه شهادته الازهرية و فصل من منصبه كقاض شرعي . كما حدث للشيخ كشك والشيخ محمد الغزالي والشيخة زينب الغزالي و غيرهم من تبنوا كلمة الصدق .( و الامثلة كثيرة جدااا)
(ثانيا) ،جعلت من مؤسسة القضاء سلطة حامية لها ، تطبق بها العدالة التي تراها هي مناسبة لبقائها و مدافعة عن مصالحها ، فكم من مظاليم امتلات بهم السجون العربية ، من عارض تلفق له كل التهم التي يتبتها القضاء ، فاين صوت الحق ؟؟. (كان من الافضل ان يمحى رسم الميزان المتوازنة كفتاه فوق المحاكم العربية .)
(ثالثا) المؤسسة التعليمية ، هزت القاعدة التعليمة التي تبنت برامج تدريسية انتجت اجيالا غير مؤهلة بتاتا ، جامدة العقول ، منعدمة التفاعل .ان التعليم في البلدان العربية يعتمد بالدرجة الاولى على كثرث المواد و على ان يجبر التلميذ على الحفظ بدل انماء قدراته الذهنية من خلال البحث و النقاش ، اي عنصر المبادرة الشخصية غير موجود ، فيتعود الطفل منذ مراحله التعليمية الاولى على التبعية المطلقة لما يقدم له و بتدرجه في المراحل التعليمية لن يجد سوى نفس المنهاج ، ولا يخفى على الجميع المستوى التعلمي المنحط الذي لا يقدم المعارف العلمية المطلوبة ، ولان اغلبية المدرسين مجردين من الخصائص المؤهلة لبناء جيل يتكل عليه ، طبعا قد حرس على اختيار اغلبهم بهذه الشاكلة ( مع احترامي لكل مدرس يخلص لمهنته – اقلية -) .....و بوصول الطالب الى الجامعة يجد نفسه مسلوب القدرة على ابداء الراي الشخصي سواء اكان ذلك من خلال النقاش في المحاضرات او في تفاعله مع محيطه الاجتماعي ، فطالب اليوم لا يتقن لغته العربية و لا لغة اجنبية اخرى و غير ملم اصلا بما يدرس كتخصص ، يحصل في اخر المطاف على شهادة ورقية ، كديليل انه اضاع من حياته فترة زمنية و هو يتلقى علوما لم يستوعبها . فكيف يمكن ان نصل الى حراك اجتماعي و الطلبة الاساس المحرك للتغير غير قادرين حتى على ابداء رغباتهم و التعبير عن ارائهم و تصوراتهم ، فالدولة تهتم بالكم دون النوع .
فكم من اجيال ضاعت وكم من اجيال ستضيع ؟؟؟
اذن المؤساسات السياسية هي من تشكل اليوم مواطنيها و تشرف على تركيب عقلياتهم حتى تضمن الحماية لطبقتها و الاستقرار و الغاء فكرة انتشار الوعي او تشكيل معارضة مخالفة لها . ان تجميد عقول الطلبة هو تجسيد لمخطط مدروس محددة اهدافه ، سلب قدرة التفاعل مع الاحداث الداخلية و الخارجية له مغزاه وهذا ما يعرف بالعزلة الفكرية للطبقة التي تمثل مفكري المستقبل .و تشكيل صورة جديدة مغايرة للمفكر العربي الذي اما ينضم لركب المادحين للسياسات المتبعة او المعارضين ( اقلية ) الذين جلهم يغادرون اوطانهم او حياديين لا يبدون اي راي و هم الاغلبية الكاسحة في مجتمعاتنا .
ولا خلاص لطالبي العلم في الوطن العربي الا ان يعتمدوا على انفسهم في تطوير قدراتهم الاكتسابية وكذا مشاركتهم في كل التفاعلات التي تحيط بهم حتى يحققون مكانة ايجابية في المجتمع . وحتى هذه النقطة كانت محاصرة قبل ان نعايش اليوم ثورة المعلوماتية ، فالكتاب الذي يعتبر غذاء العقل كان دخوله للاوطان لا يتم الا بعد مواقفة الدولة التي تختار ما يخدمها ، اما حاليا فالانترنت فتحت مجال و اسع للباحث عن المفاهيم الصحيحة التي شهوت في بلداننا . ضف الى ذلك ان اهم العقول العربية البارزة التي تتخرج و تحمل قدرات للعطاء الوطني و بذور التغير تلاقي اهمالا و قهرا مما يضطرها الى الهجرة و هنا نقف امام ظاهرة هجرة الادمغة التي تعد استنزاف خطير لثروة عقلية و طنية فعالة ان استغلت في ارضها مدت الكثير ، و لانهم عنصر مخيف للطبقة الحاكمة يعاملون بطريقة تحفزهم على الرحيل و بدلهم تجلب الادمغة الغربية التي تقدم لها اجور مذهلة ، و توفر لها كل سبل العيش الكريم ، المهم انها تضمن عدم تفاعلها مع المجتمع و حتى يبقى الحال على ما عليه .وبالتالي لا مجال لرفع شعار حقوق الانسان في اوطاننا و كل ما قيل في هذا السياق وهم .
كما لا يفوتني ان اشير الى ظاهرة الامية التي نسبتها تقدر بثلث سكان الامة العربية ، ثلث ابناء الامة لا يعرفون الكتابة و القراءة ، و منذ متى ونحن نسمع عن برامج محو الامية التي تصرف عليها اموال ضخمة وتتبناها جمعيات و مؤسسات اين هي النتيجة ؟؟ ام ان الجهل مطلوب ليكتمل مسار طمس شعاع المعرفة التي تقود حتما لتنوير العقول و توضيح الرؤى التي يراد لها السواد .
كيف لنا اليوم ان نخدع بشعارات التقدم و التنمية و شعوبنا العربية تعاني ويلات الجهل ؟؟؟ بينما الدول الغربية تعد من لا يفقه استعمال الكوبيوتر اليوم هو الامي ؟؟؟ اين نحن و الى اين نساق ؟؟
ثم ان السلطة عمدت الى تفعيل حراك اجتماعي غير متوازن حتى يختل التركيب السليم للطبقات الاجتماعية ، فالمؤسسات مهما كان نوع خدماتها لا يحترم فيه الترتيب حسب الكفاءة التعليمية و المهنية ، فبات الجاهلون من يديرون قطاعات حساسة فقدت العطاء السليم ، فمن يملك المعارف و الوسائط ستكون له اكبر الفرص في العمل مهما كان مستواه على حساب المؤهلين وبالتالي احتكار اهم المناصب لطبقة معينة و تجحد قدرات الاخرين .فانقلب القاعدة وبات الجاهل يسير المتعلم.... وهذا واقعنا اليوم .
كل هذه المخططات التي تنفذ منذ زمن و التي تحاك سواء بايادي غربية او عربية لها هدفان ، اولها ضمان تخلف الدول العربية وتبقى تابعة لا صوت لها و لا ومكانة مستغلة و مستنزفة من طرف الغير ، و ثانيها و الذي يهمنا اليوم هو استغلال الثروات من طرف طبقة معينة و اقصاء الشعب ، و الا كيف نفسر هذا الكم الهائل من الثرواث الطبيعية التي يتمتع و يزخر بها و طننا الاسلامي ورغم ذلك نعاني و يلات الفقر. و هنا علينا ان نحلل الظواهر الاقتصادية العربية ، اكيد نتفق على فشل النظام الاشتراكي الذي خرب كل القواعد و الاسس الاقتصادية و التي كانت بداية لاحتكار الاملاك ، ( تعرضنا سابقا لهذا النظام) و اليوم جل الدول العربية تحيى مرحلة انتقالية نحو الليبرالية تحمل راية الاصلاح وانعاش الاقتصاد لاجل حياة كريمة للشعوب العربية . فهل فعلا هو نظام اقتصادي يضمن ذلك ام وجه اخر للاستبداد ؟؟
لقد زج بنا داخل بوتقة العولمة الاقتصادية ، التي ما هي الا اسم جديد لامبريالية قديمة تنهش جسد امتنا من الداخل و الخارج تهدف الى تقليص سلطة الدولة على مؤسساتها الاقتصادية و تصبح تحت تسيير الغرب يتحكم فيها حسب رغبته و حسب مصالحه ، فالانفتاح على السوق العالمية لن يكون الا تحت شروط تزيد من تدهور ظروف العيش ،كيف ذلك ؟؟
ان العولمة الاقتصادية تحتاج و حدها موضوع مفصل لكن ساخوض سريعا في اهم نقاطها :
1. سيطرة النمودج الغربي في المجال الاقتصادي ، مع اجهاض كل البدائل الاصلاحية ذات طابع اسلامي عربي خاصة النظام الاقتصادي الاسلامي ( المصارف الاسلامية ، شركات استثمارية اسلامية )
2. اتباع سياسيات اصلاحية معينة منها : الغاء او تخفيض الرسوم الجمركية ،الخوصصة ، وهي انتقال الملكية من القطاع العام الى القطاع الخاص ، و هي ثلاث انواع ( الخوصصة عن طريق اعادة الهيكلة ، عن طريق اعادة تنظيم القطاع و عن طريق انتقال الادارة ) ، و يختار نوع الخوصصة على حسب طبيعة المؤسسة الاقتصادية و نوعية الخدمات التي تقدمها ، لكننا لحد اليوم لم نلمس الا نتائج سلبية لها ، فقد الكثير مناصبهم المهنية بسسب تقليص عدد العمال الذين يفقدون مكانهم بهذا الانتقال فهو يهتم فقط بتحقيق مصلحته مما رفع نسب البطالة ، ثم ان علماء اقتصاد اقروا فشل هذه الخطوة بسبب فساد الادارة اولا و ثانيا ان الخوصصة في اوطاننا العربية ما هي الا اعادة توزيع الثروات على طبقة معينة تحتكر وسائل الانتاج و الخدمات و تقلص فرص الاخرين في المشاركة . ثم ان اكبر المؤسسات العامة يرفض خوصصتها كالمؤسسات المستخرجة و المنقبة عن البترول و الغاز و المعادن حتى تبقى بين ايادي رفضت ان تتخلى عنها .بينما نجحت فيها بعض الدول الاسياوية و التي غدت منافس قوي لامريكا و اوروبا كتيلاندا و سنغفورا و كوريا الجنوبية ....فكيف لنا ان نفسر نجاحهوم و فشلنا ؟؟؟
3. تحويل الشعوب العربية الى شعوب استهلاكية فاقدة لروح المبادرة واصبحت الكماليات عندها من الضروريات وباتت اسواقها مصرف للسلع الغربية مما اضعف القطاعات الانتاجية الداخلية .
4. ما تفرضه منظمة الدولية للتجارة العالمية من اجراءات و قرارات كالغاء او تقليص الدعم في مختلف القطاعات الحيوية ، تخفيض الانفاق الحكومي ، تخفيض سعر صرف العملة المحلية مما يزيد من تدني الوضعية المعيشية بارتفاع الاسعار .
ليس و حده شبحه العولمة الاقتصادية الذي يهددنا بل حتى العولمة الثقافية التي اخوزت اظافرها في جسد مجتمعنا و التي اثرث فينا بشكل رهيب لانها و جدت ارضية خصبة لتزرع بذورها ، فالجهل بالدين الاسلامي و الامية و المستوى المتدني للمتعلمين كلها مؤشرات ساعدت على تفتيت الثقافة الاسلامية ، و المجتمع العربي اليوم مليئ بمظاهر الثقافة الغربية التي هي تعرف على اساس التقدم و الحرية . وقد كان لتطور و سائل الاتصال و الاعلام اثر كبير في طمس هوية العربي المسلم الذي فقد معايير الثبات و المحافظة على شخصيته ، مبهور بثقافة الاخر .( موضوع اخر )
نحن اليوم نحياها ، عدة ازمات اجتماعية جراء هذه التحولات السريعة التي لا تاخد بعين الاعتبار طبيعة مجتمعنا الاسلامي ، بل نطبق الاوامر ونسير في ركب التابعين ، لكن هذا لا يعني ابدا ان هذه هي نهاية امتنا و انه لا مخرج لها .فتغير الاوضاع بدا يعرف النور و ان قوبل بالكثير من القمع و الاجهاض فالوعي لا يمكن ان يحجب و يلغى ، لانه زمن المعلوماتية التي غدت مجال لتبيان الحقائق وجمع الاصوت و توحيد الجهود للوصول لكسر الحاجز المفروض على الشعب العربي التائه ، علينا ان نعرف كيف نستغل هذا المجال لصالح البناء .
فمن يفهم ما يحاك له يمكنه ان يحدد كيف يواجه و كيف يصلح اوضاعه .
