أخذت مفاتيح سيارتها من فوق مكتبها ...وأنفاسها تتلاحق.... تكبت تأوها.....صرخة....تحبس عبرات الشجن ..... نزلت السلم مسرعة ....انطلقت بسيارتها ..... وانطلقت معها دموعها تنهمر بشدة .... الألم والعذاب يخنقها..... كأن القدر أبى إلا أن يحرما استقرارا وسعادة ........ إنها تسير بسرعة جنونية.... تحرك مقودها كالآلة... نحو المجهول... نحو الفراغ.... تريد أن تعتزل الناس.... تريد أن تصرخ بأعلى صوتها...... تريد سلاما ..... لم تعد تحتمل... بحركة جنونية أوقفت السيارة جانبا.... وضعت رأسها على المقود تدق بيدها عليه وهي تبكي..... بحرقة .... وتشهق... فتح الباب و خرجت تركض....إنها لا ترى أمامها.....لا تتبين مسارها......لم تحس بنفسها الا وهي تهوي لترتطم بالأرض...ازداد نحيبها وهي تحس بالم.... انتبهت و نظرت حولها مستفسرة عن المكان ... كأنها تفيق من غيبوبة.......نظرت الى الخلف تبحث عن سيارتها.... اندهشت لقد ركضت كل هذه المسافة....حملت نفسها بصعوبة و عادت إلى سيارتها بخطوات ثقيلة ، تحتضن جسمها بيديها و رأسها منكس...أقلعت بهدوء .... وقد حددت وجهتها الآن ...نحو عالمها الهادئ الصامت المتكلم.... حيث تحاور الأمواج .... تركض على الشاطئ حتى تتعب.... تضرب الرمل برجليها حتى ترهق ...حيث تنهمر دموعها حتى تجف........ حيث تبلل رجليها بالماء المالح لعله يمتص منها مرارة الأيام التي تحاصرها.......... و الجبل الذي يطل على شاطئها الجميل ...يجذبها إليه ........ يعانقها بهوائه النقي الصافي .......... انه عالمها وحدها... لا يزاحمها فيه أي مخلوق بشري آخر.. لا شر ... لا مشاكل.... لا أذى ... هو التحام الذات مع الطبيعة.... .... فيتحرر الوجدان...... تفتح يديها وتدور حول نفسها......
أخيرا هاهي تجلس على احد الصخور.... تبتسم للأمواج.... و هذا النسيم العليل الذي يلامس وجنتيها الصافيتين.... كأنه يهدئها .... يحنو عليها.... يصبرها..... فترفع يدها الصغيرة وتتحسس بأناملها هذا المرور المنعش.... الذي بات يتسلل إليها ... إلى روحها..... و يكسر السواد الذي بداخلها...ويداعب أوتار نفسها..... تتسع ابتسامتها..... تغمض عينيها .... تسبح بعيدا عن العالم الذي لا يريد أن يرحمها......... إنها تطفو الآن فوق الماء..... تطير بعيدا في السماء..... اخترقت السحاب...ولامست روحها...التصقت بها... ...ألقت برأسها إلى الوراء... و الابتسامة تزداد اتساعا ..... .......
وانطلقت ضحكة خافتة من بين شفتيها .... ما أجمل الكون... ما أجمل السلام.... ما أروع هذا العالم الذي يتكلم دون أن ينطق بكلمة واحدة...
ما أجمل سكونه و حركته...... فتحت عينيها..... الهدوء قد لفها ... و الطمأنينة قد غطتها...... ها قد عاد إليها سحرها.... بريقها ....رونقها.... وقوتها .....
تحس أنه يمكنها العودة إلى العالم الذي فرت منه ...عالم الصراعات و المجابهات ....عالم لا يرحم الضعفاء.......
